الشيخ السبحاني
129
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
شيء من الرائي والمرئي واتصاله بهما ، لكن أهل الأصول اختلفوا في أنّ الرؤية إدراك وراء العلم أم علم مخصوص . ومن زعم أنّه إدراك وراء العلم اختلف في البنية ، واتصال الشعاع ، ونفي القرب المفرط ، والبعد المفرط ، وتوسط الهواء المشفّ ( النور الحامل للصورة ) . فشرطها المعتزلة ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة ، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق ، والوجوب بحكم الوعد » « 1 » . يلاحظ عليه : إنّ الرؤية التي يدعيها أهل الحديث تبعا لما يروونه في هذا المجال ، ولما استظهروه من القرآن عبارة عن رؤية اللّه تبارك وتعالى بهذه الأبصار الحسية كرؤية القمر في ليلة البدر . وأما غير ذلك مما يدعيه العرفاء وأهل الكشف والشهود ، خارج عن محط البحث . ومن المعلوم أنّ الرؤية بهذا المعنى لا تتحقق إلا بالشرائط التي أطبق عليها علماء الطبيعة ، قديمها وحديثها ، مع اختلاف في تحقيق الشرائط وتحليلها ، فلو أريد من الرؤية غير هذا ، لما ورد النفي والإثبات على شيء واحد . وتمنّي الرؤية بلا هذه الشرائط كتمني رسم الأسد على عضد البطل من دون أن يكون له رأس ولا ذنب « 2 » . 2 - قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إما بالارتسام أو خروج الشعاع : « إنا إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم ، كان نوعا من المعرفة ، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين ، كان نوعا آخر فوق الأول . ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسميه الرؤية ، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان . فمحل النزاع أنّ مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة ، وتتعلق بذات اللّه منزهة عن الجهة والمكان ،
--> ( 1 ) نهاية الإقدام ، ص 356 . ( 2 ) مثل يضرب لتمني الشيء المحال وأصل القصة : إنّ بطلا ورد كانا يريد أن يضرب على بدنه صورة الأسد . فكان كلما وخزه صاحب الدكان بالإبرة صرخ وقال : ما ذا تضرب ؟ فيجيب : رأسه . فيقول : لا تضرب رأسه . فإذا وخزه أخرى صرخ وتأوّه وقال : ما ذا تضرب ؟ فيجيب : ذنبه . فيقول : لا تضربه . وهكذا . فضرب به المثل .